الحلبي

198

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

أخي . واللّه لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني : أي اشتدت علي وتخوّفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة ، فاكتم عني ما أحدّثك . قال : وفي رواية أنها قالت له : لن أحدثك حتى تعاهدني أن لا تذكرها ، فإنهم إن سمعوها - تعني كفار قريش - آذونا وأسمعونا ما لا نحب ، فعاهدها العباس ا ه . فقال لها : ما رأيت ؟ قالت : رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح : أي وهو ما بين المحصب ومكة ، ثم صرخ بأعلى صوته : ألا فانفروا يا آل غدر : أي يا أصحاب الغدر وعدم الوفاء إلى مصارعكم في ثلاث : أي بعد ثلاثة أيام . وفي كلام السهيلي : يا آل غدر بضم الغين والدال جمع غدور ، أي إن تخلفتم فأنتم غدر لقومكم ، قالت : فأرى الناس اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه ، فبينما هم حوله مثل به بعيره : أي انتصب به على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها ، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت : أي تكسرت ، فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلها منه فلقة ، فقال لها العباس : واللّه إن هذه لرؤيا وأنت فاكتميها ولا تذكريها لأحد ، ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة ، أي وكان صديقا له ذكرها له أي واستكتمه ، فذكرها الوليد لابنه عتبة ، فتحدث بها ففشا الحديث . قال العباس : فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش فعود يتحدثون برؤيا عاتكة ، فلما رآني أبو جهل قال : يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا ، فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم ، فقال أبو جهل لعنه اللّه : يا بني عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النبية ؟ قال : قلت : وما ذاك ؟ قال : ذاك الرؤيا التي رأت عاتكة ! فقلت : وما رأت ؟ قال : يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن تستنبئ رجالكم حتى تستنبئ نساؤكم . وفي رواية : ما رضيتم يا بني هاشم بكذب الرجال حتى جئتمونا بكذب النساء ا ه . قال أبو جهل : قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال : انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه ، الثلاث ، فإن يك حقا ما تقول فسيكون ، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب . قال العباس : فو اللّه ما كان مني إليه كبير ، إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا . وفي رواية أن العباس قال لأبي جهل هل أنت منته يا مصفر استه : أي يا مأبون ، أو يا جبان ، أو الذي يغير لون البرص الذي بمقعدته بالزعفران ، فإن الكذب فيك وفي أهل بيتك . فقال من حضرهما : ما كنت يا أبا الفضل جهولا ولا خرقا ، ولقي العباس رضي اللّه تعالى عنه من أخته عاتكة أذى شديدا حين أفشى من حديثها ، قال العباس : فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني أقررتم ؟ أي قائلة ، أقررتم لهذا